الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

47

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

مخالف لحال نزول التوراة والإنجيل . فهذا نفي تمثيل حال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بحال الرّسل الأسبقين في زعمهم . ويدخل في هذا النوع ما يزعمون أنه تقتضيه النبوءة من المكانة عند اللّه أن يسأله ، فيجاب إليه كقولهم : لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً * أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها [ الفرقان : 7 ، 8 ] . وصيغة المضارع في قوله : لا يَأْتُونَكَ تشمل ما عسى أن يأتوا به من هذا النوع كقولهم : أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً [ الإسراء : 92 ] . والاستثناء في قوله : إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ استثناء من أحوال عامة يقتضيها عموم الأمثال لأن عموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال . وجملة جِئْناكَ حالية كما تقدم في قوله : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ [ الفرقان : 20 ] . وقوله جِئْناكَ بِالْحَقِّ مقابل قوله : لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ وهو مجيء مجازي . ومقابلة جِئْناكَ بِالْحَقِّ لقوله : وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إشارة إلى أن ما يأتون به باطل . مثال ذلك أن قولهم : ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان : 7 ] ، أبطله قوله : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان : 20 ] . والتعبير في جانب ما يؤيده اللّه من الحجة ب جِئْناكَ دون : أتيناك ، كما عبر عمّا يجيئون به ب يَأْتُونَكَ إما لمجرد التفنن ، وإما لأن فعل الإتيان إذا استعمل مجازا كثر فيما يسوء وما يكره ، كالوعيد والهجاء ، قال شقيق بن شريك الأسدي : أتاني من أبي أنس وعيد * فسلّ لغيظة الضّحّاك جسمي وقول النابغة : أتاني - أبيت اللعن - أنك لمتني وقوله : فليأتينك قصائد وليدفعن * جيشا إليك قوادم الأكوار يريد قصائد الهجاء . وقول الملائكة للوط وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ [ الحجر : 64 ] أي عذاب قومه ، ولذلك قالوا له في المجيء الحقيقي بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ . وتقدم في